abdlkhalk

abdlkhalk

منتـــــــــــــــــدى التــــــــــــــواصــــــــــل والاهتمام
 
الرئيسيةhttp://trial.12س .و .جالتسجيلدخول
نتمنى ان تساهموا معنا بكتابة مواضيعكم الجميلة وان تكتبوا اقتراحاتكم التي سنأخذها ان شاء الله بعين الاعتبار
حكمة هذا الزمان: لا تكــونن قـاسيــا فتكســر ولا ليــــــنا فتعصــــــر
ياداخل المنتدى صل على النبي محـمـد صلـى الله عليه وسلــم
ثلاث يعز الصبر عند حلولهـا ويذهل عنها عقل كل لبيب خروج اضطرار من بلاد يحبها، وفرقة إخـوان، وفقد حبيب
المواضيع الأخيرة
» تصميم مواقع الانترنت – انشاء موقع الكتروني
الأحد سبتمبر 10, 2017 8:59 am من طرف شركة اطياف

» تصميم تطبيقات الهواتف الذكية مع أطياف
الإثنين يوليو 03, 2017 11:40 am من طرف شركة اطياف

» انت الناقد الفذ يا دكتور بومنجل
الثلاثاء يونيو 27, 2017 11:13 am من طرف ربيع سعداوي

» الاحكام تصدر باسم الشعب.فمن يقول لاهابريي عدالة ال لا؟؟
الثلاثاء يونيو 27, 2017 11:08 am من طرف ربيع سعداوي

» الاحكام تصدر باسم الشعب..فمن يقول لارهابيي العدالة لا؟؟؟
الثلاثاء يونيو 27, 2017 10:40 am من طرف ربيع سعداوي

» تصميم وتنفيذ جميع ديكورات الأسقف المعلقة جبسيوم بورد
الإثنين أكتوبر 10, 2016 1:56 pm من طرف atiaf

» مبرمج اندرويد – مبرمج ايفون
الأربعاء سبتمبر 07, 2016 12:33 pm من طرف atiaf

» تصميم مواقع انترنت – شركة تصميم مواقع انترنت
الأربعاء سبتمبر 07, 2016 12:03 pm من طرف atiaf

» مبرمج مواقع انترنت
الأربعاء سبتمبر 07, 2016 10:25 am من طرف atiaf

» مصمم مواقع انترنت
الأربعاء سبتمبر 07, 2016 9:58 am من طرف atiaf

» اعلان جوجل ادورد
الإثنين سبتمبر 05, 2016 9:52 am من طرف atiaf

» اعلان فيس بوك مدفوع – ممول
الإثنين سبتمبر 05, 2016 9:45 am من طرف atiaf

» تسويق الكتروني
الأحد سبتمبر 04, 2016 2:55 pm من طرف atiaf

» تصميم مواقع انترنت – شركة تصميم مواقع انترنت
الأحد سبتمبر 04, 2016 2:33 pm من طرف atiaf

» تسويق الكتروني
الأحد أغسطس 07, 2016 12:02 pm من طرف atiaf

» اعلان جوجل ادورد
الأحد أغسطس 07, 2016 10:19 am من طرف atiaf

» اعلان فيس بوك مدفوع – ممول
الأحد أغسطس 07, 2016 9:09 am من طرف atiaf

» مبرمج اندرويد – مبرمج ايفون
السبت أغسطس 06, 2016 2:42 pm من طرف atiaf

» مبرمج اندرويد – مبرمج ايفون
الأربعاء أغسطس 03, 2016 3:09 pm من طرف atiaf

» سيارات بي ام دابليو مستعملة
الأربعاء أغسطس 03, 2016 1:17 pm من طرف atiaf


شاطر | 
 

 تبلور النظريات الجديدة

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
Admin
Admin
avatar

عدد الرسائل : 623
العمر : 36
تاريخ التسجيل : 06/09/2008

بطاقة الشخصية
المواضيع الاخيرة:
2/2  (2/2)
المواضيع الاخيرة:
1/1  (1/1)

مُساهمةموضوع: تبلور النظريات الجديدة   الجمعة ديسمبر 23, 2011 12:12 pm

- تبلور النظريات الجديدة

أ ـ الاتجاه الرومانسـي

- معنى (رومانسية) (1):

لا يمكن تعريف الرومانسية(أو الرومانتيكية).. قد يبلغ عدد تعريفاتها عدد الذين كتبوا في الموضوع(2)..(لكثرة معانيها لم تعد تعني شيئا كما قيل) [هي مرض- اضطراب خيال- هياج- موجة غرور- إيحاء باللامحدود- عودة إلى الطبيعة- متوحش،ريفي،طفولي- تركيز على الداخل- إهمال الماضي- سوداوية عاطفية- فن اليوم..إلخ ] .

كانت الكلمة تعني قصص الخيال القديمة، حكايات الفروسية، المغامرة والحب، كل ما هو عاطفي جامح، لاواقعي، مناقض للمعقول(مثل ألف ليلة وليلة)، أي ما هو وحشي وهمي(إنجلترا). ثم صارت تعني الخرافي السخيف والتافه( إنجلترا في القرن 17 ). ثم دلّت على ماهو طيب وعلى قصص الرومانس القديمة وأدب القرون الوسطى، تعني (المتحرر- الآسر للخيال). وأطلقت على المناظر الريفية والأماكن المتوحشة، وصارت - في فرنسا- تدل على الاستجابة العاطفية أمام مشهد طبيعي رائع (3). وهكذا ظلت خارج مصطلحات النقد، وارتبطت بالإشارة إلى استعداد ذهني ينظر بارتياح إلى أشياء من النوع الخيالي- العاطفي- المتحرر. ودخلت عالم الأدب متأخرة. وإذا قرأنا قول ستنـدال (4) : " فلنفهم جيدا أن كبار الكتاب كانوا جميعا رومانسيين في عصرهم . وبعد مرور قرن على وفاتهم، نرى أن الناس الذين يقلدونهم.. هم الكلاسيكيون "، فهمنا أن المقصود هو (الإبداعية) فحسب؛ أي أن الرومانسية هي وصف لكل إنجاز أو تيار يتجه إلى الإبداع ويرفض اتباع السائد. ونفهم عندئذ معنى رأي سوريو الذي يرى في المصطلح دلالة " على مجرى جمالي عام، ولا يتقيد بحدود عصر معين، ويؤلف نوعا من خاصة جوهرية أسلوبية تطالعنا في أوقات مختلفـة واتجاهـات فنيـة متنوعة " (5)، فهي تيار يمكن أن يظهر في كل زمان؛ إذ لا يتعلق بمباديء محددة دقيقة، بل بحساسية فقط.

إن هذا التنوع الغريب واللامحدود يجعل الرومانسية حركة عامة تضم اتجاهات وأساليب كثيرة (رومانسيات)، ويمكن تصور بعض السمات العامة لها:

- الإبداع والتحرر ورفض القيود والقواعد والأطر.

- الخيالي البعيد والوهمي (الحالم) مقابل العقلي .

- الذاتي والعاطفي والاندفاعي مقابل الموضوعي والمتزن.

- الشعبي مقابل الرسمي .

- الباطني مقابل السطحي.

- الطبيعي الفطري والعفوي والوحشي والشاذ مقابل الصناعي والمتكلف.

- البسيط والجميل مقابل المعقد والجليل .

- المتعة مقابل الفائدة.

مسار الاتجاه الرومانسي في الشعر العربي الحديث:

مثلما حدث في أوروبا، وقع صدام أيضا بين الكلاسيكية والاتجاه الرومانسي في مطلع القرن العشرين في ساحة الأدب العربي. كان التيار المحافظ قد ثبّت أركانه من خلال شعر جديد بأسلوب قديم. لقد تعلق القرّاء به؛ لانسجامه مع ثقافتهم وتوجّههم آنذاك ولارتباطه بماضيهم الذي كان لهم حصنا ومرجعا في وجه الاستعمار، ولأنه يمثل تجديدا وثورة في وجه شعر عصر الضعف، فاعترفت به بيئات الشعر وتوّجت رمزه أحمد شوقي(أميرا للشعراء).

لكن الواقع كان متحركا. فقد قطعت الحركات الوطنية شوطا هاما، فانتشرت روح تحررية قوية، وازدادت روح التشاؤم والقلق نتيجة الأوضاع المتردية، وتضعضعت الثقافة التقليدية ومستوى اللغة أيضا، وظهرت روح فردية مقابل المؤسسة التقليدية الضعيفة وقواعدها وقيودها، وتوثق الارتباط بأدب الغرب من خلال الإطلاع المباشر أو الترجمة. وبالجملة ، كانت روح جديدة تحوم على عالمنا العربي، ومشاعر قوية بدأت تضطرم. ولم تعد شكلية القصيدة الكلاسيكية وبنيتها الرتيبة الثابتة، ويقينيتها، وعقلانيتها، وهدوؤها، تشبع الروح الجديدة.

إن الإعجاب بالأدب الرومانسي الغربي ونشره كان جليا، فقد ترجم حافظ إبراهيم (البؤساء) لفكتور هيجو، وترجم المنفلوطي عدة قصص مثل(بول وفيرجيني) لبرناردان دي سان بيار، وتُرجمت رباعيات الخيّام (1913)، وكثير من القصائد للامارتين، ودي موسيه، ودي فينيي، وبودلير وبرودوم ، وفاليري.. وفي الجزائر كان رمضان حمود يدعو لفهم جديد للشعر وللاحتكاك بأدب الغرب الرومانسي ونشرَ قصيدة للاموني ( المنفي) ، كما نشرت مجلة(هنا الجزائر) التابعة للإذاعة الفرنسية عدة أعمال رومانسية (لفيكتور هيجو خاصة)، ونشر إسماعيل العربي ترجمة لقصيدة شيللي ( أنشودة الريح الغربية) (6). والمهم أن حركة نقل الأدب الرومانسي من الغرب، ومن لبنان إلى المغرب العربي كانت توجّها ونشاطا عاما.

- كان خليل مطران (1872-1949) المرهف والمثقف، والمضطرب أيضا بين الكلاسيكية التي بقي ينتهجها ونوازع جديدة تراوده، قد كتب قصيدة (المساء)(1902) حاول فيها تحطيم بنية الصورة التقليدية، وعكس ذاته المريضة على الطبيعية (جو مشحون سوداوي وميل للاستبطان والمروق)، هي طفرة حقيقية بل يعتقد الجندي (7) أن الرمزية الأسلوبية فيها أخذت تخرج من نطاق المادية والحس الخارجي إلى نطاق الروحية والحس الباطني .وإذا كان مستوى لغتها و عبارتها غير بسيط أو عاد؛ أي منسجما مع مستوى التعبير الشعري العام آنذاك ، فإنها تستحضر أجواء بحيرة لامرتين ونحوها..بل إنها تشق توجها جديدا في الشعر العربي في تمجيد الألم والتعمق في الباطن من خلال معادله في الطبيعة. كما ظهر عنده توجه لوحدة القصيدة من خلال قصائده القصصية الكثيرة. وهي قصائد تنزع كذلك نحو الصورة الرومانسية للمرأة الفقيرة المعذبة، قصائد ثائرة- غالبا- على المجتمع وزيفه. وسيكون لعمله تأثير حاسم، باعتراف الكثير، يقول إبراهيم ناجي (8): " إننا مدينون لخليل مطران بكثير من التوجيهات في شعرنا العصري: هو وضع البذور وفتح أعيننا للنور..إذن فالمدرسة الحديثة التي يتكلم عنها أبو شادي وحسن الصيرفي وصالح جودت والشابي وغيرهم، هي رجع الصدى لذلك الصوت البعيد الذي ردده مطـران في غير ضجـة ولا ادعاء ".

- لكن العشرينات والثلاثينات( وحتى الأربعينات) تمثل فترة صراع حاد ، وازدهار للاتجاه الرومانسي. فقد قويت الحملة ضد الاتجاه الكلاسيكي، وتم طرح النظرية الرومانسية كمبادئ نقدية وكإنتاج فني قوي وجد متنوع.

- كان العقاد (1888-1964) وزميلاه شكري (1886-1949) والمازني (1889-1949)، من أبرز من وجهوا سهامهم للكلاسيكية في عدة مقالات وفي كتاب مشترك ( الديوان 1921). وركزوا هجومهم على شوقي . فشعره تكرار يتصف بالتفكك والإحالة والتقليد والشكلية أو اللاجوهرية . ودعوا إلى شعر يعبر عن الذات، واسع مثل الحياة ، مبني على حرية الأسلوب، والتحام أجزاء القصيدة .وفي الجزائر كان رمضان حمود يدعو لشعر جديد ويرى في شعر شوقي شعر إحياء لا تجديد، فهو لم يبتكر ولم يخترع أسلوبا عصريا وانحصر في الأغراض التقليدية التي لا تخدم احتياجات الأمة في نضالها، وإذا دعا إلى الصدق في التعبير عن العواطف وتجنب التنميق ..كان ذلك سنة 1927 . ومن الغريب أن هؤلاء المؤسسين - من الناحية التنظيرية - للشعر الجديد لم يتمكنوا من إنجاز شعر رومانسي بارز ، فرغم أن طه حسين كان يفضل مطران على شوقي وحافظ ، إلا أنه أعلن عند وفاة شوقي أن إمارة الشعر [التقليدي] انتقلت من مصر إلى بغداد [أي للرصافي أو الزهاوي] لكنه دعا فيما بعد إلى وضع لواء الشعر في يد العقاد ، وقال (9) : " لقد انتظرت فلم أجد للمقلدين حركة ونشاطا ، فإذا المدرسة القديمة قد ماتت بموت شوقي وحافظ ، وإذا المدرسة الجديدة قد أخذت تؤدي حقها وتنهض بواجبها ، وإذا الشعر الجديد يفرض نفسه على العرب فرضا " . وأسهم في هذا التنظير الواسع إلى جانب أصحاب (الديوان) ، جماعة أبولو (1932-1935) وضمت شعراء متحمسين كالصيرفي ومحمد الهمشيري (1908-1938) وإبراهيم ناجي ، وأحمد زكي أبو شادي (1892-1955)، ومحمود أبو الوفا ، وصالح جودت، وعلي محمود طه، ومحمود حسن إسماعيل ، والشابي ..

وكان الشعراء اللبنانيون المتكتلون في لبنان والمهجر الأمريكي قد خطوا خطوات واسعة في ترسيخ هذا الاتجاه وسط جو مشحون منذ مطلع القرن العشرين( حلقة اسكندر عازار) خاصة بشارة الخوري ( الأخطل الصغير) . لكن الانفجار إنما كان مع جبران خليل جبران والرابطة القلمية (1920) والعصبة الأندلسية(1933).. مجرتان دارت حولهما نجوم :إيليا أبو ماضي- ميخائيل نعيمة- القروي ..وبلغت الرومانسية ذروتها في أعمال إلياس أبو شبكة وصلاح لبكي وأديب مظهر ويوسف غصوب، والشاعران الأخيران هما من أبرز جسور الانتقال إلى الرمزية .

كان جبران - كما وُصف - إعصارا حقيقيا اكتسح بقوة وسرعة ساحة الشعر العربي المتململة (رغم هدوء صاحبه وبعده) ، ففي تونس تردد صداه قويا بفضل الشابي الذي كان مثله (وتلميذه) ، وكتب سنة (1929) :الخيال الشعري عند العرب ، يقدس فيه الخيال ويهاجم الأدب العربي ، كما ترددت في الأوساط الوطنية الجزائرية تأثيرات الشعر المهجري ، خاصة مجلة الشهاب .

- لقد غلب على هذا الاتجاه في مصر الطابع العاطفي (الوجداني) ، واحتلت المرأة (الحب) الحيّز الأكبر في نتاج شعرائه ، ولذا ظل صوتهم خافتا قريبا من الشعر العادي (التقليدي) ، ولم يكن في قوة صِنوه في لبنان والمهجر .. قد يكون ذلك بسبب ترسخ الثقافة التقليدية لرواده منهم، أو بسبب وجود هذه الريادات نفسها (كالعقاد وطه حسين..) التي شكّل نقدها (رقابة) صارمة على المنشورات الشعرية آنذاك ، أو قد يكون للأحداث التي عاشتها مصر في تلك الفترة دورا في كبح الشعراء لجماح المروق والإبداع.

يصرّح العقاد أنه لا يستطيع أن يدرج إبراهيم ناجي (1898- 1953) ضمن الاتجاه الرومانسي، بل في مدرسة الرقة العاطفية (10) ، التي تضم في رأيه المنفلوطي وصبري.. واعتبره مع الشعراء الظرفاء (شعراء اليتيمة ونفح الطيب..)، كما أن صديقه الوفي صالح جودت (11) يجعله أمير شعراء العاطفة، وسيد الشعراء العشاق في العصر الحديث. ورغم أنه لا يصنفه، إلا أنه يراه قد نجح " في حمل رسالة التجديد، وفتح أبواب شعر المقاطع للذين أوشكوا أن يخرجوا بالشعر عن إطاره إذ كان ناجي الحل الوسط بين العمود الجامد والثورة الضالة التي تحاول أن تهدمه من أساسه " .

تخرّج ناجي على مدرسة شوقي ثم الشريف الرضي ثم مطران، وقد اكتشف الأخيرَ من خلال قصيدة (المساء)، فحفظ أجزاء من ديوانه، وبكى مطران المريض المخذول لما سمعه ينشدها عن ظهر قلب (12). ولهذا السبب لا نعجب إذا رأينا آثارا لشوقي أو للرضي أو لمطران في شعر ناجي، وهو ما جعلهم يسمونها مدرسة الرقة العاطفية، أو العشق، أو الظرفاء..

فلو قرأنا قوله (13):

وليلةٍ بات من أهـوى ينادمني ما كان أجمله عندي وأجملها

بتنا على آية من حسنه عجـب كتابه من خفايا الخلد أنزلها

إذا تساءلتُ عما خلف أسطرها رَنَـا إليّ بعينيـه فأوّلـها

مُصوّبا سهمه مستشرفا كبدي مستهدفا ما يشاء الفتك مقلتها.

َلـمَا استطعنا أن نميزه عن الشعراء الذين ذكرهم العقاد. لكن ناجي يرتفع كثيرا إلى عالمه الداخلي ، العاطفي الذي اختاره وأغلق مع جيله على نفسه فيه ، وعلى الأخص الهمشيري والشابي ، كل هؤلاء كانوا جيلا عبّر عن أزمة حادة في مجتمع غير متوازن ولا مستقر.

- كان صوت أبي القاسم الشابي التونسي(1909 –1934) متميزا وسط أعضاء جماعة أبولو التي انتمى إليها من بعيد. وحده فيها كان يمثل جبران ، يمثل حسا جديدا ، حتى اعتقد صالح جودت أنه " تأثر بالرومانسية الفرنسية رأسا ، التي أثرت في مطران ذاته" (14) . والشابي مثل جبران أو أبي شبكة يصعب تصنيفه، رومانسي رمزي واقعي ، روح مضطرب قوي تهمّه الثورة والإبداع وتغيير وجه الحياة فقط ، ولذا كسَف الشعراء الآخرين لإفريقيا الشمالية (15) الذين تخلفوا عنه كثيرا ، ولفت المتلقي المشرقي .

لقد طلع من الأحراش والكهوف والغابات والأودية .. استيقظ على صوت الأرض الأم يدوي بأناشيد الحرية والحياة، فهام معها.. وانصهرت في شعره معظم ملامح الشعر الرومانسي ، فكان مبدعا متميزا . واحتضان الروح الجديدة الثائرة بهذه القوة هو ما امتنع عن المدرسة المصرية وعلى دارسيها أيضا، ولذلك لم ير شوقي ضيف في شعـر الشابي فلسفة أو فكرا، بل عويـلا وبكاء وندبا (16)، ولم ير في أشعاره الثورية الوطنية إلا أوقات نقاهة قليلة (17)،كذلك رأى شوقي ضيف في شعر إلياس أبي شبكة (أفاعي الفردوس) - بعد مقدمة حول شعر اللذة والمجون في أدبنا القديم - مجرد تصوير لناحية اللذة الجسدية الصارخة (18) .

إن آخر الكلمات التي تلفظ بها أبو شبكة هي: " عصفور صغير طار..طار وهبط..ما يستطيع عصفور صغير؟ " (19). ويمكن أن نقرأ في هذه العبارة عدة ملامح: - الحساسية (عصفور صغير) - والرغبة في التسامي (طار ) - والسقوط (هبط) - وقسوة الواقع (ما يستطيع ؟..)، وربما تلخصت كلها في مفهوم الصراع.

ملامح الاتجاه الرومانسي:

كان اتجاها عاما وموجة قوية اجتاحت البناية الشعرية الكلاسيكية، وقد تراوحت طبيعة هذا الاتجاه وخصائصه من بيئة لأخرى ومن شاعر لآخر، بل وفي نتاج الشاعر الواحد نفسه. وربما أمكننا أن نرصد له بعض الملامح العامة:

1 - الإبداع والتحرر من القيود :

تشترك التيارات الرومانسية في رفض التقليد والتزام القيود ، وتدعو إلى الإبداع والتحرر. فجماعة الديوان أو أبولو أو تجمعات المهجريين ، يبرز في إنتاجها ونظرياتها مهاجمة المقلدين ، وهم يدعون إلى " التحرر الفني والطلاقة البيانية والاعتزاز بالشخصية الأدبية المستقلة والجرأة على الابتداع والتمكن من وسائله ، لاعن طريق المجاراة للقديم المطروق ، والعبودية للرواشم المحفوظة ، والتقديس للتقاليد الموروثة "(20).

فربط الأدب بالإبداع، هو تحطيم لذلك الالتزام بالقواعد والأطر ، وهو أيضا دعوة للتجديد المستمر انطلاقا من الشخصية الفردية، لا من خارجها .

ومن ثم رفضوا المفهوم القديم للشعر (الكلام الموزون المقفى)، ورأوا أن الشعر (وجدان) أو (عاطفة نفاذة) أو (تعبير عن رؤية)، والشكل تابع يحدده المضمون نفسه ، وإذا جاء هذا المضمون نثرا فهو (شعر منثور). ولهذا بدأت تتحطم قواعد ومسلمات قديمة؛ فأخذوا ينوعون القوافي، وينوعون الأوزان في القصيدة الواحدة، وسموا التحرر من القافية (شعرا مرسلا)، وقد يعني كذلك الشعر المنثور. وتحدثوا عن الشعر الحر داخل الأوزان (رغم محاولات بعضهم كتابة شعر حر خارجها) ، وأكدوا على وحدة القصيدة (رفض وحدة البيت) ، وشجعوا على الشعر القصصي والمسرحي والرمزي .

2 - العاطفية/الذاتية :

لقد ربط الإبداع بالذات المبدعة ، ووضعت القوالب الخارجية في مقابل الفردية . إن الكلاسيكية خط مفروض من الخارج ، بينما ينطلق الشعر من الذات ، من الشعور ، من القلب . قال شكري :

يا طائر الفردوس إن الشعـر وجــدان

فأصالة الشاعر وإبداعه وقوته إنما تكمن في التعبير عما في نفسه، وإذا كان الشاعر الكلاسيكي يعبر عن ذاته أيضا، فقد قمعها بسلطة العقل والقواعد، أما الرومانسي فرفض كل القيود التي تحول بين نقل (الشعور/التجربة) كما هي قوية، صحيحة، ملتهبة. لنقرأ قول صلاح لبكي (1906-1955) (21):

غنيتُ أشعاري ولم أنتســب إلى إله الشعر في حـال

ولم أكن غير امريء مُدنـف كثير تَحنـان وتَســآل

وسوف يمحو الدهر شعري كما يمحو دموع المغرم السالي

ورُبّ شعر نام عنه القضــا مرّ بجيـل بعد أجيــال

يحمل مني زفـــرة مُـرة مَرثـاةَ أيـامي وآلامـي

ردّده عني فتـى لم تـــدع منه الرزايا غيـر أسمال

مستأنسا بي ، جاهلا من أنـا إني أخـو الباكين أمثالي.

إن العاطفية أو الذاتية ميزة عامة يرتكز عليها الشعر الرومانسي،انطلقت من مفهوم الشعر نفسه كتعبير عن الذات . والمقطوعة السابقة ترسم ملامح الإحساس العام بالكآبة والحزن الذي انتشر في شعرهم . ومن هنا غلبت روح التشاؤم على التيار الرومانسي حتى صارت تعد أحد أهم مميزاته، وغلب الأنين والبكاء على كل صوت عداه . إن الشاعر الرومانسي يبدو روحا رقيقة شديدة الحساسية ، متعلقا بأعماق ذاته، يستجيب بقوة لمظاهر الانسحاق واللاّإنسجام التي يقع عليها في واقعه ، وسط الآلام والشرور ، وفي علاقاته (الصداقة والحب..)، وفي حتميـة الموت والفنـاء . ويُعدّ إليـاس أبو شبكـة ذروة هذا الاتجاه (22):

اجرحِ القلب واسق شعرك منه فدم القلب خمرة الأقــلام

مصدر الصدق في الشعور هو القلـــب وفي القلب مهبط الإلهام

وإذا أنت لم تعذب وتغمــس قلما فــي قـرارة الآلام

فقوافيــك زخرف وبريـق كعظام في مدفن من رخام

..من ليس يرقى ذروة الجلجله ولم يُسمّر في الهوى أنمـله

ويُرفـعُ العلقم والخَـــلُّ له

من لم يذق في الخبز طعم الألم ولم يعكّر وجنتيــه السقم

وتسلخ الأوجـاع منه حُطَـم

لن يعرف العمر شعـاع الإله ولن يرى آمالــه في رؤاه

بل عالما يخبط في مهزلـه .

وتمجيد الألم مبدأ عام انطلق من ألفريد دي موسيه القائل: " لا شيء كالألم العظيم يجعلنا عظماء "؛ ذلك أن الألم والحزن هو مصدر المعرفة، فالكآبة " غيوم تمطر العالم خيرا ومعرفة " (23) كما يقول جبران .

3 - الخيالي والوهمي:

لقد شغل الرومانسيون العرب بالخيال؛ إدراكا منهم للفرق الواسع بين تصورهم له وتصور الاتجاه الكلاسيكي. فالصورة في الشعر الكلاسيكي جزئية غالبا تترابط مع غيرها تراكبيا ، وتبنى على أساس التبرير المنطقي والوضوح ، بل ومتداولة غالبا أيضا ، أما الشاعر الرومانسي فيلح على سعة الخيال وأهميته في الشعر ، بل لا يرى شاعرية خارج الخيال أودونه ، فهو وثيق الصلة بالاندفاع العاطفي، وبالإبداع (كولريدج)، وبإدراك الحقائق (شيلينج) . إن مبدأ (الخيالي) مرتبط بسمة أساسية في هذا الشعر، وهي (الباطني) في مقابل (السطحي).

لقد انفتح الباب هنا أمام الرومانسيين للانتقال إلى عوالم بعيدة ووهمية كالأرواح وعرائس المروج والأساطير والصور المجنحة اللاّواقعية . يمكن أن نقرأ لصلاح لبكي (24) :

هفا الليل قومي نهز المُنى بأرجوحة من ضيـاء القمـر

ونفلت أحلامنا الراقصــــات على خفقات النجوم الغرر

فنسرح فوق فراش الغمام ونمرح تحت غصون الشجـر

وتحملها زفرات النسيـم فيعْلَـقُ بالصبح منها أثـر...

وهكذا، فإن الخيال عندهم: - هو اللغة الوحيدة لنقل المشاعر القوية الدفينة.

- هو مجال الإبداع .

- هو الذي يمنح العمل الفني وحدته .

- هو وسيلة إدراك الحقائق .

4 - الطبيعــي:

أو الفطري والعفوي في مقابل الصناعي المتكلف. فقد انطلق الرومانسيون العرب ثائرين على التقليدية التي قيدت القصيدة الكلاسيكية وذهبت بجمالها ، ولذا اعتبروا الإتباع والتقليد ابتعادا عن روح الشعر ، مما يؤدي إلى إيثار البساطة والعفوية والتركيز على العالم الحقيقي الطبيعي .

إن الطبيعة عنصر بارز في الشعر الرومانسي ؛ لأنها تجسد:

- العودة إلى عالم الطهر والنقاء ، بعيدا عن عالم الزيف والنفاق .

- العودة إلى الأصل، وليس إلى ما قيل عن الشيء في الشعر (الفرع).

فقول إيليا أبو ماضي في قصيدة المساء (25):

السحب تركض في الفضـــاء الرحب ركض الخائفين

والشمس تبدو خلفــها صفراء عاصبـة الجبيـن

والبحر سـاج صامـت فيه خشـوع الزاهديــن

لكنما عينـــاك باهتتـــان في الأفـق البعيـــد

سلمى بماذا تفْـكريــن ؟

سلمى بماذا تحـلميــن ؟

إن الطبيعة في هذا المقطع ليست عناصر خارجية توشح القصيدة ، وليست تقاطعات مع نصوص سابقة ، بل إن الشاعر ينقل مشهد الغروب الذي رآه هو ولم يره غيره (أو رآه غيره ولم يستطع تمثّله وفهم النوازع التي يثيرها فيه)، مشهد غروب ينطلق من أعماقه ويعيد هو بخياله تركيبه وتجسيده. لنقل إن عناصر الصورة حية كلها (السحب تركض - الشمس عاصبة - البحر خاشع..) فالطبيعة هنا حية، وهي الأم تسمع الشاعر وتشاركه أحاسيسه، ولذلك اتحدت بألوانه النفسية وبحالته (مشاركة وجدانية واتحاد).

لقد خلع الشاعر من ذاته وأحاسيسه على الطبيعة، فصارت مثله، وشاركته آلامه (فصارت هي هو)، وتكونت صورة قوية تفيض بالإحساس بالزوال والفناء (وقت الغروب الجنائزي - سحب ذاهبة - شمس مريضة زائلة - بحر خاشع حزين - وعينان تتعلقان بحافة الأفق). ويقول الشابي (26) :

في سكون الليــل لما عانق الليل الخشوع

واختفى صوت الأماني خلف آفاق الهجوع

رتّل الرعـد نشيــدا رددتـه الكائنـات

مثل صوت الحق إن صـــاح بأعماق الحيـاة.

ينبغي الإشارة هنا إلى أن الرومانسي لا يعبأ بقيود الصناعة ، ولا يهتم بالمستوى العالي للعبارة (بلاغة) ، ولذا كانت أشعار الرومانسيين بسيطة قريبة خالية من التأنق والتفاصح ، بل إن أولى وأعمق وأقوى الثورات على تقاليد الشعر القديم كانت على أيديهم (ترك المقدمات - ترك التقاليد البلاغية والأسلوبية - بدء محاولات الشعر المرسل وحتى الشعر الحر..) .إن الطبيعية أو الفطرية تحيل على ما هو عفوي وحشي شاذ، بل وشعبي مقابل ما هو صناعي ورسمي.

ب - الاتجاه الرمزي

ينبغي التذكير بأن الشعر يتجدد من خلال تعدد القراءات والتأويل . إن الاحتمالات التي يفتحها السياق الشعري، تكاد تكون لامتناهية ، ومن هنا ، فإن :

- طبيعة الشعر الجيد (أياً كان عصره واتجاهه)، أن يكون مفتوحا على قراءات وتأويلات عديدة ، وهو ما يفسر خلود النص الجيد واستمراره. إن الأمر يتعلق بالمضمون الإنساني العميق للتجربة الشعرية ، ولكنه يتعلق كذلك بكثافة في الدلالة تنجر عن طبيعة التركيب الشعري نفسه.

- النص الشعري إذن غامض بطبعه ، بل إن غموضه أحد عناصر شعريته ، وقد لاحظ عبد القاهر الجرجاني قديما أن أجود الشعر ما أتعبك وأطمعك.. ولولا ذلك لسقط التفاضل بين الشعراء والنقاد (27).

- إن المركب اللغوي للشعر يحيل على الطبيعة الرمزية للغة ، فهي أصلا رموز أو (علامات)، وهذه الطبيعة باقية في تركيب النص، وملازمة له .

المذهب الرمزي:

كان بودلير الأسبق في الإشارة إلى الرمز ، وكان شعره خليطا من السوداوية الرومانسية ، والوهم ، والإيحائية الصوفية، لكن فرلين أسس لبعض المفاهيم الرمزية في كتابه (الفن الشعري) 1884. ويُعدّ كتاب مورياس عن الرمزية(1886) أول إعلان عنها .

- لقد أكد فرلين على تقريب الشعر من الموسيقى (فهي توحي ولا تصور) ، فالمطلوب إخراج الكلمات من النثر الوصفي ودقته. والقوة الشعرية تكمن في حالةِ كلمة تبدو ظاهريا غير دقيقة في المعنى. فوسائل الفن هي الضبابي ؛ إذ ليس غرض الشعر الفكرة الواضحة والعاطفة الدقيقة ، بل الإبهام في القلب والغموض في الإحساسات والتردد في حالات النفس .

- ولذا يرى رامبو أن العمل هنا يفترض اضطرابا في مركز الإحساس، يكون اضطراب الكلمات مجرد تفسير له . واختراع الأفعال هنا يؤدي إلى خلق عالم جديد . إن التشوش الطويل واللامعقول يعيد إلى حالة البدائي ، فيصير الشاعر رائيا ، وعليه أن يكتشف مما هو يومي وحميم وبسيط ينبوعا من الإلهام.. لكن الأداة الأولى هي الكلمة، وينبغي ألا تكون مستحضرة بل واقعا ملموسا.

- المطلوب حسب مالارميه هو إعطاء معنى أكثر صفاء للكلمات المحلية ، وليس المقصود تحويلها عن معناها التقليدي بالاشتقاق ، بل إبراز تناغم محسوس بين رنينها المركب ، وذلك بإضاءة البيت الشعري (السياق) للكلمة إضاءة خاصة . فالأساس عنده هو أن :

- الكلمة أو البيت يحتوي قيمة موسيقية خاصة .

- الغرض يشار إليه بصورة تلميحية فقط .

- مادة القصيدة هي فكر؛ أي مفهوم مجرد، وليست المعنى (المعروف) المحدد السطحـي (28).

الرمــز :

يعتقد فرويد أن الرمز هو الإشارة إلى واقع نفسي شديد التعقيد. ومدرسة التحليل النفسي التي يتزعمها تؤكد على أهمية الرمز في الأحلام والعقد ..

إن النقد الأدبي غير بعيد عن هذا المعنى ، إذ يمكن النظر إلى الرمز على أنه الإشارة إلى معنى(حالة) غير محدد بدقة (29). وقد يتعلق الأمر بتطور الإنسان نفسه وبوضعيات معينة أيضا:

- مرحلة العقل والوضوح والدقة الفكرة الكلاسيكية

- مرحلة الاندفاع والعاطفــة الصورة الرومانسية

- مرحلة البحث والاستبطان والقلق الرمز الرمزيـة

بل إن الحالات التي تنتاب الإنسان في أواخر القرن التاسع عشر والقرن العشرين تقوم على الغموض ونسبية الرؤية وعلى القلق، والمشاعر نفسها تبدو مشوشة مضطربة.

مسار الرمزية في الشعر العربي الحديث :

لقد كانت كتابات جبران خليل جبران( شعرا ونثرا) من أهم المنجزات التي اتجهت مبكرا نحو التيار الرمزي، وكان أول ما كتبـه (الموسيقـى) إشارة إلى هذا المنحـى ، وهو ينهيـه بقوله:(30) " كبُرَ أيها الكون الأولى بثّوا في سمائك أنفسهم وملأوا الهواء أرواحا لطيفة وعلموا الإنسان أن يرى بسمعه ويسمع بقلبه. آمين ". ومن السهل أن نلاحظ الاختلاط الواقع في هذه العبارة في وظائف الحواس ( الرؤية بالسمع، والسماع بالقلب ، ونشر المعنوي في المادي..) وهو ما يدخل في تكوين الصورة الرمزية( تراسل الحواس )، ويمكن أن نلحظه في قوله في قصيدته الشهيرة ( المواكب) (31):

هل تحمّمـتَ بعطر وتنشّـفـت بنـور

وشربتَ الفجر خمرا في كؤوس من أثير

..هل فرشت العشب ليلا وتلحّفـت الفضـا

زاهدا في ما سيـأتي ناسيا ما قد مضـى

..وسكون الليل بحـر موجُـه في مسمعك

وبصدر الليل قلــب خافق في مضجعك .

وفي القطعة ترديد..للتعبير (عن تلك المسافات الصامتة المرتعشة ) وعن ذلك (الذي يبقى ساكتا هادئا مستوحشا) في روح الشاعر. إن الدلالات الجديدة التي يمنحها جبران للألفاظ رغم كونها لغة بسيطة عادية، في سياق تركيب موسيقي خاص من خلال علاقات جديدة بين الكلمات، يلخص قوة شعره وفنه، لقد قال: " الشاعر أبو اللغة وأمها، تسير حيثما يسير ، وتربض أينما يربض.." (32). رغم ذلك لا يبدو التعبير غامضا بالمعنى المألوف في الاتجاه الرمزي؛ لأن الغموض أحد أسس المذهب ، وهو ما يظهر إلى جانب استعمال عنصر الرمز في قصيدته (البلاد المحجوبة) ذات الروح الرومانسية. فالصبح والليل والبلاد البعيدة..كلها تدل على معان بعيدة خفية غير تلك المعتادة، وتختصر البلاد البعيدة الغامضة والمشرقة في آن واحد سرّ معاناة الشاعر وغربته وتطلّعه إلى عالم آخر ولكنه غامض. جبران هو أبو الرمزية ، ونثره (الشعري) ليس إلا قصائد رمزية .

- لكن أديب مظهر(1898-1928) يعدّ بقصيدته (نشيد السكون) (1926) مطلق شرارة الرمزية في لبنان - كما يقول صلاح لبكي- بل إنها لغرابتها وغموضها أحدثت ضجة بين المثقفين آنذاك؛ من قابل مشجع لها، ومن رافض مستخف بها، يقول (33):

أعد على سمعي نشيد السكون حلوا كمَـرّ النسَـــم الأسود

واستبدل الأنّـات بالأدمـع واسـمع عزيف اليأس في أضلعي

واستبقني بالله يا منشدي

فالليل سكران وأنفاســــه تلفـح أحلامـي وأجفانــي

تنساب حولي زفـرة زفـرة حاملـة أكفـان أيامـــي

بالله هلاّ نغــم قاتــــل على بقايـا الوتـر الدامـي

فإن في أعماق روحي صدى مثل دبيب الموت بين جفوني

أكلّما هـزّك تذكارهــــا بكيت تَحنــان الصّبا الأول

صحبت في الوادي خيال الطيوب مرافقا رقرقـة الجـــدول

تفرّ أحلامي على نسمـــة نحيلة معسولـة المبســـم

فتنحني فوق بساط المغيب .......

إن الحزن الذي يعانيه غير واضح تماما.. كآبة دفينة غامضة، ولذا استند إلى صور رمزية للتعبير عن تجربته، إيحاء، غموض، تراسل للحواس، رمز، ويبدو أن هذه الصور بتداخل الألوان والحركات ووظائف الحواس ستشكل بداية وتراثا لمن سيأتي بعده من الرمزيين. (ونذكر بعده يوسف غصوب في القفص المهجور).

- لكن اسم سعيد عقل الشاعر اللبناني أكثر ارتباطا بالرمزية، فقد التزم الغرابة والإيقاعية والإيحاء (34):

دمية صغتها من الحلم الـــــفرد ورصّعتها بأطباق شهب

عانقتها أمنيتي قبل أن همـــــت بكون وأينعت في خيالي

كانت التّوْق من ذراعيّ إذا مدّ.....ت وكانت إذا هجست ببالي

ومن اللافت للنظر في شعره غرابة الصور، وهي شفافة متحركة، وينبعث من خفتها وحركتها فيض من الإيحاء والتأثير المتتابع (35)، بل إنه يتجه في بناء الصورة والتركيب إلى اللامتوقع أو المدهش ؛ لكثرة تداخل الجمل ، وشدّة اختلاط وظائف الحواس والألوان والأصوات، نقرأ له (36):

- تتّكي رحمة العلى بجفنيــه اتكاء السنا بحضن البريه

- هدأة تمتمت وحلم أضاء في محيّا مغرورق نعماء

فاتكاء رحمة العلى بين الجفنين يزداد غموضا بالمشبه به : اتكاء السنا في حضن البرية، وهو كله تركيب يقوم على توالي صور غامضة بعيدة.

ملامــح :

- تبرز الموسيقى في التراث الرمزي - كما مر - عنصرا هاما في بناء الشعر. لقد مر بنا جبران ، ونتذكر الآن اهتمام الصوفيين الرمزيين الأوائل بالإيقاع والوجد والسماع.. يقول سعيد عقل (37) : " يسيطر علي قبل النظم ، نغم القصيدة ، ولم يتفق لي أن تركت القلم إلا في حالة فقدان هذا النغم ؛ أي عندما تطغى على الأفكار والصور والعواطف . وبعد النظم أحس الكون أكثر تآلفا معي منه في المعتاد. الشعر موسيقى والعلم يقر أن الإتحاد بالكون لا يتم إلا بواسطة الموسيقى " . ونفهم من كلامه أنه لا يقصد بالموسيقى نوع الوزن ، بل إيقاعا داخليا يؤلف بين الشاعر وصوره وأفكاره وعواطفه وبين الكون . وهو نفس تصور الصوفية (لاحظ التآلف ، الإتحاد..) . فالإيقاع هنا يحمل طاقات إيقاعية تتجاوز ما تعلمه العروض . يقول عقل في ليلة ماطرة (38) :

تُمطـر أو تبكـي دُرَرْ وأَنَّتيْـن من وتـــرْ

أُحبّهــا أُحبُّهــــا ليلتـيَ الملأى خطـر

كأنهـا جاءت من الــــكتـاب ، من برْد الصور

وحُـفرتْ في خاطري بقـلم من القمــــر

لذيـذة ككـل صعـــــبٍ وكرحْـلات الغَجَـرْ..

إن تواتر الراءات ، والإيقاع المجزوء القصير يصنع بتتابعه بساطة ورقة الأغنية . لكن الصور التي لا تتوقف أمام ذهن القاريء ، تؤلف في داخله انتظاما يعيد من خلاله تشكيل اللحظة في داخله هو . ففعل الاستمرار (تمطر) والأنين وتكرار فعل العاطفة (أحب) وصيغة الملأى، تحرك مشاهد مشوشة في حركة مبهمة ، خافتة ومتحركة ، يتعلق ذهننا في مساره معها بدلالات غير واضحة ، ويبحث خلال ذلك عن معنى عميق .

- لكن ما هو الموضوع الذي يعالجه الشاعر ؟ إن الفكرة تبدو غير محدودة ؛ لأنها مجردة، فكر مجرد خال من التحديد العقلاني الذي يسمح بتفكيك المعاني أو حصرها أو ضبطها . فالليلة الماطرة حدث يتعامل معه الشاعر وكأنه يقع لأول مرة ، فهي وحدة تخفي حالة غير محددة ، ومهمته أن ينقل ما استطاع هذه الدهشة وهذا الإبهام الذي يحسه في نفسه إلى قاريء تستيقظ فيه لحظات مشابهة حين يتعامل مع نظام شعري يقوم على تكسير الانسجام التقليدي المألوف .

- ولن يكون هذا الإحساس الغامض والتأمل البعيد إلا مبهـما في ذهن القاريء ؛ إذ لا يطمح التركيب إلى دفعه ليفكـر في معنى أو فكرة مباشرة بسيطة ، بل يريد الاستيلاء على ذهنه واستفزاز مداركه لينسجم مع ذاته التي تستيقظ على رؤى لامحدودة ؛ أي يريد الإيحاء . وتحتل اللغة والصورة الرمزية مكانة أساسية داخل هذا التركيب الشعري . ففعل المطر يبدو أسطوريا ، يحمل دلالة ذهنية خالصة من أثر الواقع ، وضجيج المطر يغلب عليه الحزن ، الأنين الآتي من بعيد ، من داخل أعماق الإنسان ؛ ولذا تبرز صور تضفي جو البدائية والسحر على الجـو العام للنص : ليلة ملأى خطر ، صورة في كتاب ، قلم القمر ، رحلات الغجر ..

إن المطر يرتبط بالقمر، المعبود القديم، الذي ينزل المطر، والشاهد على حركة الأنواء والدنيا والغجر.. غجر يغنون في الليل في سفرهم الدائم تحت القمر . وهذا ما يفسر لذة الليلة الماطرة كما يقول ، ويفسر إيقاعا داخليا أعمق بكثير من مجرد التركيب العروضي أو حتى اللغوي ؛ إذ يغتني عمق الصور الرمزية والأسطورية بإيقاعات بدائية . إن " عقل " لا يستطيع الاندماج في هذا الكون الحي الجذاب والقاتل ؛ فهو يواصل:

وأنا في فراشـيَ الوثيـــــر أسرق النظـرْ

إنه يطل مأخوذا ، لكنه خائف ، ينزوي ويكتفي بمجرد التفرج على الحياة المائجة ، رغم أنه يمتد إلى داخل الرؤيا ، ويرى نفسه في التاريخ الذي كتبته ليلة المطر ، إنسانا تمتد جذوره إلى تلك العهود البدائية التي كان المطر فيها موتا وحياة ، وكان هو فيها مسافرا في ظلمات العصور :

يا ليلة الشتـــاء ، لا تنْسـيْ أنا .. أنا بشـرْ

مثلهمُ أذهـــبُ أَنَّـى شئتِ ، مجنـون سفـر

مثلهـمُ .. ألاَ اقرئينـي في حكايـة المطــر

وهكذا يغدو الفعل (تمطر) ، وهو العنوان ، والدلالة المركزية في النص، مرادفا لفعل (تقص- تحكي) ، فالشاعر وهو ذاهل ، كان يسمع ما يقصه المطر عليه من حكايته كإنسان .. كبشر .. حكاية السفر والرحلة الغجرية المتوحشـة .



الشعر الحديث

رغم عدم استقرار المصطلحات، يمكن الحديث عن خصائص للشعر الحديث دون المعاصر ( الذي سيتبنى - كما رأينا - مصطلح الحداثة).ومن أهم ما يمكن ملاحظته كملامح لهذا الشعر(إلى 1950):

- التحرر من القيود الصناعية ، فقد عمل شعراء الفترة الأولى على اختلاف توجهاتهم وتياراتهم على تحرير الشعر من قيود الصناعة اللفظية والبديعية التي ميزت شعر فترة الركود والانحطاط ، كما أعرضوا عن المقدمات الطللية ، وأخذوا يخرجون من دائرة الغرضية كالمدح والغزل التقليدي والمجاملات ..

- رغم ذلك يمكن ملاحظة ضغط الموروث (روح المحافظة) جلية في إنتاج تلك الفترة ، فقد التزموا الإيقاع الخليلي للقصيدة ، وبنزعة الوضوح والتوضيح ، وظلت الخطابية والمباشرة تميز أكثر أعمالهم، بل يمكن الإشارة هنا إلى تخوفهم من محاولات التجديد الثائرة التي تحاول تجاوز الموروث الثابت( وهو ما يفسر حدة انتقاد دعاة الشعر الجديد في رفضهم، وكذلك منظرو الحداثة) .

- هناك اهتمام بأدب الآخر ونعني الآداب الأوروبية بشكل خاص . فقد كان الاحتكاك بالغرب عن طريق الرحلات والدراسة والترجمة عاملا هاما في انكباب الشعراء على الشعر الأوربي يدرسونه ويفيدون منه .

- وهو ما أوجد ظاهرة ميزت بيئة شعرنا الحديث وتتمثل في التيارات و التكتلات . وذلك دليل على نضج النظرية الأدبي وإدراك الفروق بين مختلف التيارات والتوجهات . لقد كانت أشبه بمدارس للتعبير عن وجهات نظر فكرية وأدبية وعن ممارسة الاختلاف في فهم الفن الشعري وتأسيسه لعبت دورا هاما في تطويره ونضجه .

- يلاحظ أيضا أن شعرنا الحديث اهتم بالأشكال الجديدة محاولة منه للتوافق مع روح العصر، ولتوسيع دائرة الإبداع، وللاقتراب من الآخر أيضا. ورغم أن هذا التوجه اهتم ببعث أشكال قديمة مثل الموشح.. إلا أن المقصود بالدرجة الأولى إنما هو الأشكال المستوردة من الغرب؛ مثل : المسرحية الشعرية ، الخرافة على لسان الحيوان، الملحمة...ثم الشكل الشعري الجديد..

- هناك ظاهرة أخرى مهمة، وهي تطوير الأسلوب الشعري، فقد اجتهد الشعراء والنقاد من ورائهم مستغلين إمكانياتهم ومعارفهم وثقافتهم، لتطوير الأسلوب الشعري ، فظهر :

- النزوع نحو الوحدة في القصيدة .

- التركيز على الصورة بمفهومها الحديث .

- الاهتمام بالقضايا المعاصرة، وعلى رأسها قضية التحرر والقضايا الاجتماعية .

- الاتجاه نحو الفردانية والتحرر ، وذلك نتيجة تنوع المكاسب والموارد لدى الشاعر؛ أي تحرره من سلطة البلاط على مكسبه.

- الاتجاه نحو محاولات لتحرير وتجديد إيقاع القصيدة (الموشحات، الرباعيات، الشعر المرسل..) ، وتجديد اللغة ومستواها .

- الاتجاه نحو تشجيع الجديد، رغم الروح المحافظة التي سبقت الإشارة إليها .



هوامــش:

(1) ويسميه بعض نقادنا الاتجاه الوجداني (مندور- عبد القادر القط- محمد ناصر ) ويفضل البعض (الإبداعية) وآخرون (الإبداعية ) ، ورومانسية، ورومانطقية، ورومانتيكية وهي الأصح ، لكن رومانسية أكثر انتشارا . راجع : المصطلح النقدي ، لعبد السلام المسدي ، ص: 33 وما بعدها .

(2) ليليان ، ر، فرسْت : الرومانسية . ترجمة : عبد الواحد لؤلؤة (موسوعة المصطلح النقدي) . 1/161-164 .

(3) المصدر السابق ، 1/175-177 .

(4) فيليب فان تييغيم : المذاهب الأدبية الكبرى في فرنسا . ترجمة : فريد أنطونيوس . ص: 200 .

(5) إتيان سوريو : م.س . ص : 231 .

(6) محمد ناصر : م.س. ص: 115 وما بعدها .

(7) محمود الجندي : الرمزية في الأدب العربي . ص: 421 .

(8) صالح جودت : إبراهيم ناجي ، حياته وشعره .ص : 246.

(9) طه حسين نقلا عن محمد رجب البيومي : طه حسين وإمارة الشعر. الفيصل ، عدد 202 ، ص: 22 .

(10) مقدمة العقاد لكتاب صالح جودت السابق . ص: 6-11 .

(11) صالح جودت .م.س. ص: 258-261-262 .

(12) صالح جودت .م.س. ص: 243-244. ويرثيه بأبيات ثلاث تعبر عن تأثر شديد:

يا نفس إن راح الخليل وعنده ورد الخليل فعجّلي برحيلي

حملوا على الأعواد فنا خالدا وارحمتاه لكوكب محمول

هو مصرعٌ للعبقرية رُوّعت في عرشها والتاج والإكليل

في معبد الليل ، الأعمال الكاملة ، ص: 42 .

(13) الطائر الجريح ، الأعمال الكاملة ، ص: 72 .

(14) صالح جودت .م.س. ص: 246 . وفيه قول أحمد الصاوي محمد: " يكاد يكون ديوان ناجي قصيدة واحدة ، وقصيدة حب " . ص: 115 .

(15) Gaston Wiett , p: 306 .

(16) شوقي ضيف : دراسـات في الشعر العربي المعاصر.ص: 144.

(17) شوقي ضيف : م .س.ص: 153 .

(18)شوقي ضيف : م .س.ص: 160 .

(19) صلاح لبكي : لبنان الشاعر . ص: 263 . ويمكن مقارنته هنا بقول أودن(1907-1973) :

كل ما لديّ هو صوت

لأبسط خطلا معقدا

ترهة جامحة في ذهن رجل الشارع الملهوف

وترهة السلطة التي عانقت

ناطحات السحاب ضد السماء ..

أودن : لباربارا إيفريت . ترجمة: موسى بريزات . ص: 97 .

(20) نقلا عن أدونيس : الثابت والمتحول ، 3/113.

(21) إيليا حاوي : صلاح لبكي . ص: 121 .

(22) صلاح لبكي : لبنان الشاعر . ص: 254 .

(23) جبران خليل جبران : العواصف (سلسلة الأنيس) ص: 164 .

(24) إيليا حاوي : صلاح لبكي . ص: 10 .

(25) إيليا حاوي : إيليا أبو ماضي . ص: 107 .

(26) عبد اللطيف شرارة : الشابي . ص: 185 .

(27) عبد القاهر الجرجاني : أسرار البلاغة . 126 وما بعدها.

(28) فيليب فان تييغيم (م .س) . ص: 281 .

(29) جبور عبد النور : المعجم الأدبي ، (الرمز- الرمزية) ص: 116 . ومصطفى ناصف: الصورة الأدبية . ص: 170 وما بعدها. وغراهام هو : مقالة في النقد ، ترجمة : محي الدين صبحي ، ص: 157-158 .

(30) صلاح لبكي ، م . س. ص: 194 .

(31) جبران : المواكب ، (سلسلة الأنيس)، ص: 509 .

(32) صلاح لبكي ، م.س. ص: 201 .

(33) صلاح لبكي : لبنان الشاعر . ص: 267.

(34) درويش الجندي : م.س/ ص: 438 .

(35) الجندي : م. س. ص: 439 .

(36) الجندي : م. س. ص: 439 .

(37) صلاح لبكي : م.س . ص: 273 . ويقول أحمد رامي : "أنا لا أكتب الشعر أبدا، بل أغنيه " . الأسس النفسية للإبداع الفني في الشعر خاصة : مصطفى سويف . ص: 239 .

(38) سعيد عقل : أجراس الياسمين . ص: 102 – 103 .

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذه الصورة]
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://aljazairi.ahlamontada.net
 
تبلور النظريات الجديدة
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
abdlkhalk :: منتدى قسم الادب العربي-
انتقل الى: